ابن بطوطة
318
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ويتصل بهذه الزاوية دار معدّة لنزول الواردين . مفتحة أبوابها للوفود القاصدين ، وتقابلها دار أخرى معدّة للطبخ ، واستمجاد العفار والمرخ . لا تخمد بها نيران القرى . ولا تزال مشبوبة لذوي النوائب والسرى . وللزاوية والدارين المتصلتين بها باب عظيم في جهة الشرق . ناظر إلى الحضرة العلّية التي هي مجمع الخلق . وبمقروبة منه الصومعة التي كادت تزحم الكواكب ، وتبلغ السحاب فتدر غيوثها السواكب . وهي من أحسن الصوامع صنائع وأعظمها بأشغال الزليج الملون بدائع . تفوق بمحاسنها الرائقة الرائعة الديباج . وتنسى بتفافيحها المذهبة السراج الوهّاج . أعلى اللّه كلمة من أعلاه إظهارا للدين . وجعل أيّامه خليفة الأمنة والتهدين . ونفعه بأعماله الصالحة التي شهدت بسلامة القلب وصحة اليقين بمنّه ويمنه . ويتصل بهذه الزاوية المباركة من جهة الغرب واتلجوف روض أريض ، لقداح الحسن مفيض . قد رمى كتاب تربه بالأثقال ، وضمن منها سطورا بديعة الجمال وشغلت أفكار أرضه بالأصول ، وصار من حيطانه في حكم المعقول . حتى أبهج أولي الأحكام ، وأبدى المحاسن المشتركة الإلزام . وأخرج الأشجار من زهره في أبدع نصيف . وترك الريح تصلي من نوره في درع حصيف . فالأغصان تميل على جوانبه حبا . والماء يجري إلى ملاقاته صبا ، وبنات المزن تصاحب منه أبا . وبغربي الزاوية صهريج عميق . للماء في جنباته لعب وتصفيق . - ذكر السانية وأوصافها المتباينة : وقد قامت بإزائها سانية بديعة الأشكال . لا تشكو في حبّها بتقطّع الأوصال . كريمة كأنما علمها بنوبرمك البذل ، فهي تصاحب في قعر بيها جعفرا وتطلع لنا الفضل . بديعة النغمات ولا غزو فيه الميلاء . حنينها أشدّ من حنين مهيار إذا أبدت من روضة ظمياء . حسناء ليس التوقف من مذاهبها ، ولا الإمساك من مآربها . بل حبلها بين الرجال على غاربها . فهي تجد وتفور ، وتشرب وتدور . منزّهة عن الهنات ، معدودة عند الروض في السابحات . إلّا أنها أصابتها العين فهي باكية . ومن حمل المصاحب المفارق شاكية ، قد دارت عليها الدوائر . وأدخل أصبعه في عينها الزائر . أستغفر اللّه بل هي الجارية المبرورة ، الضاحكة المسرورة . المنشرحة الصدر . الطالعة في الهالة كالبدر . إذا نادت بمائها فهو المنادى المرفوع . وإذا أتت في أبياتها بوتد فهو المجموع . وتبهج الفقراء بمحاسنها المتوالية ، وترسل إليهم ماءها فلا تنكر مجيء السائل إلى